يعتبر آية الله العظمى السيد عبد الأعلى ابن السيد علي رضا ابن السيد عبد العلي ابن السيد عبد الغني ابن السيد محمد الموسوي السبزواري (1328 ــ 1414 هـ / 1910 – 1993م) والذي ينتهي نسبه الشريف إلى السيد محمد العابد ابن الإمام موسى الكاظم
من كبار فقهاء الشيعة في القرن الخامس عشر الهجري وعلمائها المشهورين، وقد آلت إليه سدّة المرجعية العليا في النجف الأشرف بعد وفاة زعيم الحوزة العلمية آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي في سنة 1413 هـ، ولكن مرجعيته لم تستمر إلا لسنة واحدة وشهر بسبب انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وقد رجع إليه في التقليد كثير من المؤمنين في مختلف أنحاء العالم، ومنهم المؤمنون في القطيف والأحساء، وسائر بلاد الخليج.
عُرف السيد السبزواري بالتقوى والورع والزهد وشدة الاحتياط، وبكثرة العبادة وغزارة العلم؛ وكان قليل الكلام، وقليل المنام، وقليل الطعام، ودائم الذكر وتلاوة القرآن الكريم، وقراءة الأحاديث المروية عن أهل بيت العصمة والطهارة
؛ وكان حافظاً للقرآن الكريم، وكثيراً من الأحاديث الشريفة.
وقد جمع السيد السبزواري في شخصيته المباركة أبعادًا متعددة، وجوانب علمية مهمة؛ فهو فقيه متضلع، ومفسر متبحر في تفسير آيات القرآن الكريم، ومحدِّث في رواية الحديث الشريف، ومرجع للفتوى والتقليد.
كان السيد السبزواري فقيهًا موسوعيًا متضلعًا في علم الفقه، ويكفي للدلالة على ذلك قراءة موسوعته الفقهية الاستدلالية والتي تعنون بـ: «مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام» وتقع في ثلاثين مجلدًا، وتعد من أهم الموسوعات الفقهية الحديثة المتضمنة لكل أبواب الفقه من باب الاجتهاد والتقليد حتى باب الإرث؛ وتمتاز هذه الموسوعة بوضوح العبارة، وتماسك الفكرة، وقوة الدليل والاستدلال، والارتكاز إلى العرف فيما له مدخلية فيه، دون تفصيل ممل ولا إيجاز مخل؛ وقد استفدتُ منها عند تأليفي لكتاب: «علل فقه الأحكام الشرعية».
ومما يدل على العقلية الفقهية المتَّقدة للسيد السبزواري وقوة ذاكرته أنه كَتَب موسوعته الفقهية وليس عنده من المصادر والمراجع الفقهية إلا القليل، وكان يعتمد على حافظته، فقد قال نجله آية الله السيد علي السبزواري (حفظه الله) عن والده: «کان مشغولاً بطلب العلم وکان یقرأ ویدرس كل الكتب الفقهية التي كانت موجودة. مثلاً طالع كتاب الجواهر ثلاث مرات، و”مهذب الأحكام” هو حصيلة قراءة هذه الكتب. كان عندما يمسك القلم بيده يكتب مثل البحر؛ كتب (رحمه الله) کتاب “مهذب الأحكام” وليس عنده إلا “العروة الوثقى” و”الوسائل” الطبعة القديمة و”المستمسك ” الذي كان ينقل منه أقوال العلماء، وليس عنده أكثر من ذلك، والبقية درسها وکانت في ذهنه؛ قام بتأليف كتاب “مهذّب الأحكام” وهو في السبعين من عمره ثلاثين مجلَّدًا، وکتاب “تهذيب الأصول” حصيلة ثلاث دورات أصولیة. وبدأ بكتابة تفسير القرآن “المواهب”، بعد ما أنهى ووصل إلى الجزء السابع والعشرين أو السادس والعشرين من کتاب "المهذب"»[1] .
وبالإضافة إلى موسوعته الفقهية له كتب أخرى في الحقل الفقهي، وهي:
1)حاشية على العروة الوثقى للسيد اليزدي.
2)حاشية على جواهر الكلام للشيخ الجواهري.
3)حاشية وسيلة النجاة: وهذا الكتاب حاشية على كتاب وسيلة النجاة، وهو الرسالة العملية لأبي الحسن الأصفهاني مرجع الطائفة في زمانه.
4)جامع الأحكام الشرعية.
5)منهاج الصالحين ويقع في مجلدين (رسالته العملية).
6)مناسك الحج.
7)معين الفقيه.
كان السيد السبزواري مفسرًا متبحرًا في علوم القرآن الكريم، وله موسوعة في تفسير القرآن الحكيم بعنوان: «مواهب الرحمن في تفسير القرآن»، ويقع في 30 جزءًا، ولكن لم يُطبع منه لحد الآن إلا 14 جزءًا. وفي أثناء كتابته لهذا التفسير كان يطلع على ما كتبه المفسرون في تفاسيرهم، ويقرأ في تفاسير علماء الشيعة كتفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي وتفسير الميزان للسيد الطباطبائي، وتفاسير بعض علماء السنة كتفسير روح المعاني للألوسي وتفسير المنار، ثم يكتب ما يراه صحيحاً في تفسير الآيات القرآنية، والرد على ما يستوجب الرد على بعض آراء من سبقه من المفسرين.
وقد كَتَبَ (قدس سره) عمَّن سبقه من المفسرين قائلاً: «وقد ظهر لي بعد مراجعتي لجملة من التفاسير أنه فسر كل صنف من العلماء القرآن بما هو المأنوس عندهم، فالفلاسفة والمتكلمون فسروه بمذهبهم من الآراء الفلسفية والكلامية، والعرفاء والصوفية على طريقتهم، والفقهاء همهم تفسير الآيات الواردة في الأحكام، والمحدثون فسروه بخصوص ما ورد من السنة الشريفة في الآيات، كما أن الأدباء كان منهجهم الاهتمام بجهاته الأدبية دون غيرها والعجب إنه كلما كثر في هذا الوحي المبين والنور العظيم من هذه البيانات والتفاسير فهو على كرسي رفعته وجماله، ويزداد على مرِّ العصور تلألؤًا وجلالًا»[2] .
وكان المرجع الديني السيد السبزواري يميل إلى المنهج العرفاني في تفسيره، وينتقد المنهج الفلسفي، ويتعرض في تفسيره أحياناً للمباحث الفلسفية ثم ينتقدها ويبين الإشكاليات الواردة عليها؛ وله كتاب في نقد الفلاسفة والفلسفة بعنوان: «إفاضات الباري في نقض ما ألفه السبزواري» ردًا على ما كتبه الفيلسوف السبزواري في منظومته الفلسفية.
وامتاز تفسيره باحتوائه على مباحث علمية وأدبية وبلاغية وفقهية وعقدية وكلامية، واتبع أسلوب (السهل الممتنع)، وبألفاظ رشيقة وكلمات سهلة مفهومة وبعبارات فصيحة بليغة، متحرزًا عن إيراد الألفاظ الصعبة والعبارات المغلقة؛ فقد قال السيد السبزواري نفسه: «احترزتُ عن ذكر العبارات المغلقة والألفاظ الصعبة أو التفصيل الزائد عن الحد، وحاولت أن أبيِّن المعنى بأسهل الألفاظ والكلمات حتَّى يعم النفع للجميع وتتم الحجة به عليهم»[3] .
وعن منهجيته في التفسير فإنه يبدأ (رضوان الله عليه) بذكر اسم السورة وبيان المكي والمدني منها، ثم يذكر عدد آياتها، ثم يوضح مضمونها وبيان مفرداتها، ثم يبين المباحث التي تتعلق بها.
وقد كَتَبَ (قدس سره) في تبيين منهجه ما نصه:
«لم أتعرض لبيان النظم بين الآيات، وذلك لأن الجامع القريب في جميعها موجود، وهو تكميل النفس، أو الهداية، ومع وجوده لا وجه لذكر النظم بين الآيات، لأن الغرض القريب بنفسه هو الجامع والروابط بين الآيات، كما أني لم أهتم بذكر شأن النزول غالبًا، لأن الآيات المباركة كليات تنطبق على مصاديقها في جميع الأزمنة، فلا وجه لتخصيصها بزمان النزول أو بفرد دون فرد آخر، وكذلك جميع الروايات الواردة عن الأئمة الهداة في بيان بعض المصاديق لها، فهو ليس من باب التخصيص؛ بل من باب التطبيق الكلي على الفرد»[4] .
ثم يستطرد قائلاً: «وقد بذلتُ جهدي في عدم التفسير بالرأي مهما أمكنني... وقد ذكرتُ ما يمكن أن يستظهر من الآيات المباركة بقرائن معتبرة، فإن هذا الحديث الشريف لا يشمله؛ إذ التفسير بالرأي غير الاستظهار من الآيات المباركة بقرائن، وتركت التعرض للتفاسير النادرة، والآراء المزيفة والفروض التي تتغير بمرور الزمان؛ وكان منهجنا في التفسير أولًا: التعرض في تفسير الآية لمضمونها وبيان مفرداتها ثم ما يتعلق بها من المباحث. وقد ذكرت فيها المبحث الدلالي وأردت منه المعنى العام مما تشير إليه الآية المباركة من الدلالات الظاهرة أو الدقائق العلمية أو غيرها»[5] .
وبالإضافة إلى تفسيره القيّم له كتاب بعنوان: «حاشية على تفسير الصافي» وهو عبارة عن آرائه وملاحظاته على تفسير الصافي للفيض الكاشاني.
من الأمور التي اعتنى بها المرجع الديني السيد السبزواري اهتمامه الشديد بقراءة كتب الحديث، وكان حافظًا لكثير من الأحاديث والروايات المروية عن المعصومين لدرجة أنه كان يعرف نسبة الحديث إلى أي معصوم من خلال قراءة متنه عليه.
كان من المحدثين والراوين لأحاديث أهل العصمة والطهارة، وكان يوصي أولاده وتلامذته بالاهتمام بالحديث الشريف.
ينقل عنه ابنه آية الله السيد علي السبزواري (حفظه الله): «کان (رحمه الله) حافظاً للأحاديث، وأنا لم أرَ من بعده أحدًا من المحدثين المعروفين الذين حفظوا الروايات عن دراسة وعمق مثل السيد الوالد، كان يوصينا كثيرًا بقراءة الأخبار وحفظها ودراستها ودرايتها».
ويضيف: «الحق أقول إن السيد الوالد كان آخر المحدثين الذين قرأوا الروايات وحفظها عن دراية، ولم يوجد له نظير لا في عصره ولا من بعده؛ لأن علم الدراية بالنسبة إلى الروايات تقريباً شبه مندرس في الحوزات العلمية، ولكنه (رحمه الله) لم يترك كتابًا من كتب الروايات، سواءً كانت من الكتب المعروفة أم من غير الكتب المعروفة إلا وطالعها وعلَّق عليها وحفظ الروايات؛ فلذلك كان عنده روايات ليست موجودة في هذه الكتب المتداولة لدينا، كان يكتبها؛ لذلك كان عنده دراية ومعرفة كاملة بالأخبار، عنده ملكة معرفة لحن كلمات الأئمة؛ إذا عرضت عليه رواية ولم تنسبها إلى الإمام المعصوم، هو ينسبها. فمثلاً يقول هذا لسان الإمام الباقر، وهذا لسان الإمام الصادق، هذا لسان الإمام الرضا، هذا لسان الإمام موسى بن جعفر بسبب كثرة الممارسة؛ ولذلك رأيه تصحيح الأسانيد بالمتون لا تصحيح المتون بالأسانيد، وهو علم المواھبة الذي ذكره السید الوالد في بعض رسائله»[6] .
وهذا المنهج الروائي الذي ينظر إلى مضمون الرواية أكثر من النظر إلى أسناد السند في تقييمه لها، ويرتكز على تصحيح الأسانيد بالمتون لا تصحيح المتون بالأسانيد مما انفرد به السيد السبزواري فيما أعلم.
إن السيد عبدالأعلى السبزواري فقيه من الفقهاء الكبار، ومرجع من المراجع العظام، ومفسر من المفسرين المتميزين، ومحدِّث من المحدِّثين لأحاديث أهل البيت الأطهار؛ ترك آثارًا علمية مهمة وكتبًا قيمة ستبقى شاهدة على علمه الوافر، وعقليته الخلاقة، وذهنيته المتوقدة؛ وسيبقى تراثه العلمي الرصين مصدرًا ثريًا وينبوعًا لا ينضب للعلماء والباحثين وطلاب المعرفة والعلم؛ فسلام عليه يوم ولد، ويوم فارق الدنيا، ويوم يبعث حيًا.
[1] حوار مع السيد علي السبزواري منشور في موقع الاجتهاد على الانترنت: https://cutt.us/MD6VK
[2] مواهب الرحمن في تفسير القرآن: ج ١، ص ٦.
[3] مواهب الرحمن في تفسير القرآن: ج1، ص 7.
[4] مواهب الرحمن في تفسير القرآن: ج1، ص 7.
[5] مواهب الرحمن في تفسير القرآن: ج1، ص 6 – 7.
[6] من حوار مع السيد علي السبزواري منشور في موقع الاجتهاد على الانترنت: https://cutt.us/MD6VK





