مؤكداً على أن رياضة التفكير والتأمل عبادة
الشيخ اليوسف: المجتمع بحاجة إلى ثقافة الفرح والسرور
سماحة الشيخ عبدالله أحمد اليوسف أثناء إلقاء الخطبة
سماحة الشيخ عبدالله أحمد اليوسف أثناء إلقاء الخطبة

أكد سماحة الشيخ الدكتور عبدالله أحمد اليوسف في خطبة عيد الأضحى الثانية 10 ذو الحجة 1439هـ الموافق 22 أعسطس 2018م على الحاجة المجتمعية إلى نشر ثقافة الفرح والبهجة والسرور في المناسبات الجميلة كأيام العيد.

وأضاف: إن الإسلام يراعي في أحكامه وتشريعاته حاجات الإنسان الفطرية المتنوعة، والمتولدة من خصائصه ومتطلباته النفسية والإنسانية، ومن هذه الحاجات الأساسية الحاجة إلى الفرح والمرح والبهجة والسرور.

 واعتبر: أن العيد من المناسبات الدينية التي تدخل في قلوب المؤمنين الفرح والسرور والبهجة، ففي عيد الفطر نفرح لتوفيق الله تعالى لنا بإتمام الصوم، وفي عيد الأضحى نفرح لما أنعم الله علينا من نعم كثيرة، وعلى ما رزقنا من بهيمة الأنعام وغيرها من الأرزاق والنعم.

وقال: ينبغي على المؤمنين تقديم الأضاحي في عيد الأضحى، لإدخال الفرح والسرور في قلوب الأهل والأرحام والفقراء والمساكين، وأما في عيد الفطر فيجب إعطاء زكاة الفطرة للفقراء والمساكين والأيتام لإدخال البهجة والفرح والسرور في قلوبهم أيام العيد.

وذكر بعض النصوص التي تشير إلى وجود دار في الجنة تسمى (دار الفرح) لا يدخلها إلا من يدخل الفرح على الفقراء والأطفال، فقد روي عن رسول اللَّهِ أنه قال: «إنّ في الجَنَّةِ داراً يُقالُ لَها دارُ الفَرَحِ لا يَدخُلُها إلّامَن فَرَّحَ يَتامَى المؤمنينَ»، وعنه أيضاً قال: «إنّ في الجَنَّةِ داراً يقالُ لَها دارُ الفَرَحِ، لا يَدخُلُها إلّامَن فَرَّحَ الصِّبيانَ».

ورأى أن الحاجة إلى الفرح والسرور والبهجة تنبع من الطبيعة الإنسانية، ولما لها من فوائد كثيرة: نفسية وروحية وبدنية وعقلية، فهي تؤدي إلى تجديد النشاط، وتنمية الروح المعنوية، وتفعيل العقل، وامتصاص ضغوط العمل والحياة.

وقد أشار أمير المؤمنين إلى فوائد الفرح والسرور ومضار الغمّ والهمّ بقوله: «السُّرُورُ يَبسُطُ النَّفسَ ويُثِيرُ النَّشاطَ، [و] الغَمُّ يَقبِضُ النَّفسَ ويَطوِي الانبِساطَ».

وقال: كما في الدنيا يحتاج الإنسان إلى السرور كذلك هو أحوج إليه في الآخرة، يقول تعالى: ﴿فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ اليَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وسُرُوراً.

وشدد الشيخ اليوسف على حاجة المجتمع إلى الفرح، فكما يحتاج الإنسان الفرد إلى الفرح والبهجة والسرور والمرح فيما أحله الله تعالى وأباحه كذلك المجتمع بحاجة أكثر إلى إشاعة ثقافة الفرح في أيام البهجة والسرور كالأعياد والمناسبات الجميلة، لصناعة مجتمع متوازن وبيئة دينية صالحة وجاذبة للأجيال المعاصرة نحو القيم والأخلاق والآداب.

وتابع بالقول: كما تمر على الإنسان مناسبات حزينة تمر عليه أيضاً مناسبات جميلة، وكما نحزن في أيام الحزن علينا أن نظهر الفرح والسرور في أيام الفرح؛ وكما لا يمنع الاسلام من الحزن كذلك لا يمنع من الفرح، وكما يكون الحزن في بعض المناسبات مندوباً إليه كأيام عاشوراء كذلك الفرح كما هو أيام العيد.

واعتبر: أن هذا الأمر يشير إلى واقعية الإسلام، واعتداله ووسطيته، حيث يدعو إلى التوازن في كل شيء، بعيداً عن حالتي الإفراط والتفريط، فلا يمكن أن يكون الإنسان جاداً في كل الأوقات، وحزيناً في كل وقت، بل عليه أن يكون متوازناً ومعتدلاً حتى يشعر براحة النفس، وصفاء القلب، وإعمال العقل.

وقد روي عن علي بن معبد أو غيره عن أحدهما قال: «قال النبي : إن للقلوب إقبالاً وإدباراً فإذا أقبلت فتنفلوا وإذا أدبرت فعليكم بالفريضة»، وهذا يعني ترك النوافل أو التخفف منها في حالة إدبار القلوب والاقتصار على الواجبات والفرائض.

وأكّد على أن من الأمور التي يجب العناية بها في العيد التنزّه والترفيه عن النفس، وعن العيال والأطفال، فقد كان الأئمة من أهل البيت يتنزهون أحياناً إذا سنحت لهم الظروف، فقد روي عن الإمام الرضا قال: «لقد خرجت إلى نزهة لنا ونسي الغلمان الملح فذبحوا لنا شاة».

وروي عن صفوان بن يحيى، عن عمرو بن حريث قال: «دخلت على أبي عبد الله وهو في منزل أخيه عبد الله بن محمد، فقلت: ما حوّلك إلى هذا المنزل؟ فقال: طلب النزهة».

فالإنسان عليه أن يكون شخصية إيجابية ومتفائلة ومرحة، لا أن يكون شخصية متشائمة وسلبية ومتجهمة الوجه، والمطلوب أن يكون الإنسان متوازناً، بلا إفراط أو تفريط.

وفي الخطبة الأولى أكد سماحة الشيخ عبدالله اليوسف على أهمية ممارسة رياضة التفكر والتفكير والتأمل والاعتبار فهي من أفضل أنواع العبادة كما ورد في الكثير من الأحاديث الشريفة، فالعبادة لها مفهوم واسع وتشمل مصاديق كثيرة.

وقال: إن العمل من أجل المعيشة عبادة، وإفشاء السلام عبادة، ولين الكلام عبادة، والتفكر في آيات الله ومخلوقاته عبادة، وكل ما كان خالصاً لوجه الله تعالى فهو عبادة.

وذكر مجموعة من النصوص التي تؤكد على هذا المعنى، وأن العبادة لا تنحصر في الصلاة والصوم، بل أن من العبادة التفكر والتأمل أيضاً، فقد روي عن الإمام علي قوله: «التَّفَكُّرُ في آلاءِ اللَّهِ نِعمَ العِبادَةُ»، وقوله : «لا عِبادَةَ كالتَّفكُّرِ في صَنعَةِ اللَّهِ عَزَّوجلَّ»، وقال الإمامُ الصّادقُ : «كانَ أكثرُ عِبادَةِ أبي ذَرٍّ رحمه الله التَّفكُّرَ والاعتِبارَ»، وقال الإمامُ الرِّضا : «ليسَ العِبادَةُ كثرَةَ الصلاةِ والصومِ، إنّما العِبادَةُ التَّفكُّرُ في أمرِ اللَّهِ».

ودعا إلى إدمان التفكر والتفكير، لأن له فوائده كثيرة، وهو يقوي الإيمان، وينمي العقل، ويثري الفكر، ويساعد على النجاح.

وختم بالتأكيد على ضرورة التفكير في فعل الخير واجتناب التفكير في فعل المعاصي والآثام، فعن أمير المؤمنين قال: «الفِكرُ في الخَيرِ يَدعُو إلَى العَمَلِ بهِ»، وعن الثاني قال: «مَن كَثُرَ فِكرُهُ في المَعاصي دَعَتهُ إلَيها»، فعلى الإنسان المؤمن أن يعوّد نفسه دائماً على الاتيان بالأعمال الصالحة، وفعل الخير؛ لأن الخطوة الأولى لأي فعل يبدأ من كثرة التفكير فيه. 
     

اضف هذا الموضوع الى: