الشيخ عبد الله اليوسف في حوار شامل مع النبأ عن الإرهاب والإصلاح والعصيان المدني والديمقراطية: نأمل أن تبادر الدول الإسلامية لتبني خيار الإصلاح من الداخل قبل أن يفرض عليها ذلك من الخارج
محرر الموقع - « شبكة النبأ المعلوماتية » - 12 / 11 / 2010م - 7:57 م

تبرز أهمية المثقف في قدرته على فرز المفاهيم التي تسهم في بناء الحياة بطريقة سليمة من خلال التركيز على وضع الأحداث في نظام معرفي يتعاطى مع الكليات والتفاصيل من حوله بطريقة عصرية وحضارية دون عنف وإقصاء وتهميش .. وبما أن العالم وخصوصا العالم الإسلامي والعربي يشهد حوادث عديدة لعل أبرزها موجة العنف غير المسبوقة وحركات العصيان المدني، يصبح من المهم التعرف على الكيفية التي يقرأ بها المثقفون هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر الأخرى..
وخصوصا أن هذه الايام تحمل معها بذورا لتأسيس مراحل مهمة جديدة من التاريخ عبر مفاهيم ظهرت الى الساحة بإشكاليات تبحث عن تغيير للواقع المتأزم، مثل إشكالية الإصلاح وتعريف مفهوم الإرهاب وتزلزل الديكتاتوريات المهترئة ونزول الجماهير إلى الشوارع
ومن هنا استطلعنا رأي سماحة الشيخ عبد الله اليوسف حول موضوعات العنف والإرهاب والإصلاح والعصيان المدني والديكتاتورية، وأجابنا عن أسئلتنا مشكورا


س1- ما هي برأيكم الأسباب التي تدفع بعض الجماعات العربية والإسلامية لممارسة التطرف والإرهاب؟ وما هي أهم النتائج التي تتمخض عن التطرف والإرهاب؟


ج1/ لممارسة العنف من قبل بعض الجماعات أسبابه المختلفة، ويمكن تحديد أهم الأسباب المشتركة في النقاط التالية:
1- الفهم الخاطىء للدين:
من أهم أسباب ممارسة العنف هو فهم بعض النصوص الدينية بطريقة خاطئة، وبعيدة عن سياقاتها ودلالاتها ومضامينها، وهذا ناتج من عدم التعمق في النصوص الدينية، وعدم أهلية من يتصدى لذلك، كما أن لقراءة المفاهيم الإسلامية بصورة مغلوطة أكبر الأثر في تبني خيار العنف، كما هو الحال في فهم مفهوم الجهاد ، ومفهوم التكفير.
2- الدكتاتورية:
من أهم أسباب العنف أيضاً هو شيوع الدكتاتورية والاستبداد في العالمين العربي والإسلامي، مما أدى ببعض الجماعات لتبني هذا الخيار الخاطىء، واعتباره هو الخيار الوحيد للتغيير، فغالباً ماتنمو تيارات العنف في المجتمعات التي يسود فيها الرأي الواحد، والفكر الواحد، والحزب الواحد، بينما لانرى ذلك في المجتمعات التي يسود فيها الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون، وشيوع قيم التسامح والحوار واحترام الرأي الآخر.
3- الظلم العالمي:
ويتجلى ذلك بوضوح في المعايير المزدوجة التي تمارسها السياسة العالمية، ودعم المجتمع الدولي للممارسات الإسرائيلية ضد العرب والمسلمين؛ بيد أن هذا قد خلق شعوراً بالغبن والظلم لدى فئات كثيرة في المجتمع المسلم مما شجع على نمو العنف، ولا شك أن سيادة العدل العالمي سيؤدي إلى التقليل من نمو هذه الظاهرة الخطيرة
هذه من أهم الأسباب في نظري لنمو ظاهرة العنف في العالمين العربي والإسلامي. ونحن ضد تبني خيار العنف تحت أية أسباب، ولكن أردنا أن نوصف أساس المشكلة، من أجل العمل لوضع الحلول لمعالجتها.
أما عن أهم النتائج التي تتمخض عن التطرف والإرهاب فهي كثيرة، إذ أن ذلك يشوه صورة الإسلام في نظر الآخر، ويؤدي إلى سفك الدماء البريئة، ويؤخر النمو الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ويضعف من حالة الأمن الاجتماعي، ويساهم في هروب الكفاءات العلمية...الخ.


س2- كيف نتمكن من احتواء حالات التطرف والإرهاب او استئصاله جذريا؟


ج2/ لاحتواء التطرف والإرهاب ، والقضاء عليه، لابد من معالجة أسبابه ومسبباته، ويمكن لنا أن نقترح مايلي:
1- وضع برنامج فكري:
يحتاج معالجة ظاهرة العنف إلى وضع برنامج فكري متكامل، يعالج الأسس الفكرية والدينية التي يرتكز عليها دعاة العنف، ويوضح بجلاء حقيقة المفاهيم الإسلامية التي يبني عليها دعاة العنف فكرهم، ولابد من تصدي كبار العلماء والفقهاء لمعالجة هذه المشكلة الخطيرة. كما أن من المهم للغاية تشجيع قيم وثقافة الحوار والتسامح ، والتحلي بأخلاقيات الاختلاف، واحترام التنوع المذهبي والديني والعرقي.
2- الإصلاح الشامل:
يحتاج العالمين العربي والإسلامي إلى تبني خيار الإصلاح الشامل، والذي من أهم مرتكزاته إشاعة الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، والتداول السلمي للسلطة، وفصل السلطات الثلاث، وسيادة القانون أمام الجميع، وتكافؤ الفرص، والتوزيع العادل للثروات؛ فمثل هذا الإصلاح سيساهم في صنع أجواء من القدرة على التعبير عن الرأي من دون خوف أو قلق، وسيكون الجميع تحت طائلة المحاسبة والمراقبة وهو مايسهم في تبني خيار الحوار بدلا من العنف.
3- العدل العالمي:
إن تبني المجتمع الدولي لسياسة العدل العالمي، وحل المشكلات القائمة بميزان العدل، وتطبيق القانون على قدم المساواة، ومساعدة الدول الفقيرة، واحترام إرادة الشعوب، كل ذلك سيخلق شعوراً بالمساواة والعدل، وسيقلل من العنف.
س3- ماهي علاقة المنظومة المعرفية العربية بانتشار التطرف والإرهاب؟ وهل النظام المعرفي معبأ بالعنف، التطرف و الكراهية للآخر؟ وهل يشكل النظام المعرفي العربي عقبة أمام التطور نحو الإصلاح و الديمقراطية؟
ج3/ لايمكننا أن نتحدث عن منظومة عربية واحدة، بل توجد منظومات متغايرة، ولكن يمكن القول أن بعض المنظومات المعرفية العربية قد ساهمت في خلق العنف وتنميته وذلك من خلال عدم التسامح المعرفي، وعدم احترام التنوع الديني والمذهبي، وتشجيع أحادية الرأي والفكر، والقضاء على أي رأي مخالف أو لا أقل العمل على تهميشه وإقصائه،كل ذلك أوجد البيئة المناسبة لنمو ظاهرة العنف، إذ لايمكن أن ينمو العنف إلا في ظل أحادية الرأي وغياب التسامح.
ولا شك أن أي منظومة فكرية تقوم على المفردات السابقة تشكل بذاتها عقبة كأداء أمام أي إصلاح أو تغيير.
س4- هناك حركة إصلاح قوية يمر بها العالم، لاسيما العالمين العربي والإسلامي، تتمثل باندفاع الشعوب نحو الشوارع للقيام بعصيان مدني شامل يهدف إلى إسقاط الحكومات والقيام بالتغيير، برأيكم ما سبب هذا التحرك في هذه المرحلة؟.
ج4/ نحن الآن في الألفية الثالثة، وهي فترة متطورة في حياة البشر، وقد ساهمت التكنولوجيا الحديثة من قنوات فضائية وانترنت ووسائط اتصال أخرى في تقريب المسافات، وفي جعل العالم قرية كونية صغيرة، مما جعل المجتمعات المختلفة تستفيد من تجارب بعضها البعض، وما شاهدناه في أوكرانيا وقرقيزيا وغيرهما يشجع الشعوب العربية على تبني نفس الخيار لإحداث تغيير حقيقي في العالمين العربي والإسلامي، وما حدث مؤخراً في لبنان يعطي نموذجاً لما يمكن أن يحدث في أماكن أخرى.
س5- هل يمثل العصيان المدني اسلوبا حضاريا جديدا يكون بديلا عن العنف، وهل برأيك سوف يحقق أهداف التغيير؟
ج5/العصيان المدني يمثل أسلوبا من أساليب عديدة يمكن تبنيها للتغيير السلمي، وهو بلا شك من أفضل الخيارات لتحقيق أهداف التغيير، أما العنف فقد ثبت بالتجربة في غير بلد إسلامي أنه لايحقق إلا المزيد من القمع وتأخير الإصلاح تحت ذريعة مواجهة العنف، وقد حان الوقت للشعوب العربية والإسلامية أن تتبنى خيارات سلمية فعالة كالعصيان المدني، والمظاهرات السلمية، والاضراب الشامل، لإحداث تغيير حقيقي في مسيرة البلدان الإسلامية.
س6- نلاحظ أن العالم العربي و الإسلامي لا يتقبل عملية الإصلاح إلا بوجود ضغوط خارجية قوية، فما السبب في ذلك؟ و هل بالإمكان قيام الشعوب العربية الإسلامية بحركة الإصلاح دون التدخل الخارجي؟..
ج6/ يبدو لي أن السبب يكمن في قدرة الدول الكبرى على فرض خياراتها على الدول الأخرى خصوصاً في ظل التأثير أحادي القطبية المتمثل حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، والذي تمتلك أدوات مختلفة كالعولمة السياسية والاقتصادية، و مطرقة مجلس الأمن، والاستفادة من الثغرات الموجودة في المجتمعات الإسلامية، وغياب الديمقراطية...وغير ذلك من العوامل التي جعلت الدول الكبرى تفرض سياساتها على الدول الإسلامية.
أمل فيما يرتبط بالشق الثاني من السؤال فيمكن القول: من الناحية النظرية يمكن الإجابة بالإيجاب، ولكن من الناحية التطبيقية المسألة في غاية الصعوبة،لأن الشعوب الإسلامية بصورة عامة إلا فيما استثني، تعاني من شدة الممارسات القمعية تجاه أية مطالبة بالإصلاح والتطوير والديمقراطية،كما لاتوجد مؤسسات مدنية فاعلة، كما أن لغياب الحريات العامة أكبر الأثر في ضعف التحرك الجماهيري الواسع الذي يمكنه فرض خياراته على السلطات الحاكمة، وبناء على هذا قد يكون من المفيد ممارسة الضغوط من الدول الكبرى لتحريك المياه الراكدة، مع التأكيد على رفض أية تدخلات تحمل أجندة ذات أهداف استراتيجية لاتتطابق مع المصلحة العامة للمسلمين.
س7- لماذا تتمركز حالات الاستبداد، الديكتاتورية، والمركزية المطلقة في العالم العربي والإسلامي؟ و لماذا تأخر كثيرا في ممارسة الديمقراطية ؟

ج7/ عندما ننظر للتاريخ فسنجد أنه في أغلب فترات التاريخ الإسلامي كان الاستبداد والدكتاتورية هو السائد في الحكم، فمنذ الدولة الأموية ثم العباسية ثم العثمانية كان الحكم يقوم –غالباً- على الاستبداد، والتنكيل بالمخالفين، وغياب أية حريات حقيقية، أو اتباع مبدأ الشورى والديمقراطية في الحكم، مما أنتج لنا ثقافة الاستبداد والدكتاتورية، فنحن نمتلك تراثا سياسيا موغلا في الدكتاتورية والاستبداد ومن ثم فالتحول للديمقراطية يحتاج للمزيد من الجهود المخلصة والتضحيات الكبيرة، والعمل على تفعيل الدور الجماهيري للمطالبة بالتغيير والاصلاح الشامل.
س8- ما هي عناصر و شروط نجاح ممارسة الديمقراطية في العالمين العربي و الإسلامي؟
ج8/من أجل نجاح الممارسة الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي نحتاج إلى مايلي:
1-نشر الثقافة الديمقراطية:
إن أية ممارسة عملية ناجحة بحاجة لتوليد ثقافة نظرية مقنعة، وهذا بدوره يتطلب نشر برنامج تثقيفي يوضح للناس واجباتهم وحقوقهم، وأهمية بسط الحريات العامة، واحترام حقوق الإنسان، وسيادة القانون، والتداول السلمي للسلطة...وغير ذلك كثير من المفردات في الثقافة الديمقراطية التي يجب نشرها في مجتمعاتنا الإسلامية.
2- التدرج في خطوات الإصلاح:
إن الانتقال المفاجىء من حالة الاستبداد إلى الديمقراطية قد يوجد مشاكل جديدة، ولذلك من المفيد للغاية التدرج الحقيقي والسريع في عملية الانتقال من الدكتاتورية للديمقراطية، ولكن مانلاحظه في بعض الدول هو استخدام التدرج كعنوان لعدم إحداث أي شيء حقيقي، وللمماطلة على أمل أن تتغير الظروف الضاغطة لأي إصلاح ديمقراطي.
س9- هل ترغب في أن يكون الإصلاح من الداخل أو من الخارج، وماذا لو لم نتمكن من تحقيق الإصلاح من الداخل بسبب البطش والقمع الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية؟.
وفي رأيكم ما هي النتائج المترتبة على الإصلاح من الخارج؟

ج9/ الإصلاح من الداخل يعبر عن الحاجات الحقيقية للمجتمعات الإسلامية، كما أنه ينسجم مع قناعات وقيم المجتمع الإسلامي، أما الإصلاح القادم من الخارج فقد يكون أداة لتحقيق أهداف سياسية غير منسجمة مع تطلعات وطموحات المسلمين، وهنا مكمن الخطورة.
ثمة نقطة جديرة بالملاحظة: وهو وجوب التفريق بين الضغوط التي قد تمارسها الدول المؤثرة لإحداث تحول ديمقراطي في العالم الثالث وهو ماسيفيد المجتمعات الرازحة تحت نير الدكتاتورية، وبين التدخل السافر عبر الاحتلال أو ما أشبه مما يعكس أجندة خفية خاصة بتلك الدول الطامعة.
شيء آخر لابد من التركيز عليه وهو التداخل الشديد في عالم اليوم بسبب العولمة الاقتصادية، والمصالح المتبادلة، وتأثير الفضائيات وغيرها من وسائل الاتصال المختلفة المؤثرة، وتقلص السيادة الوطنية لصالح التأثير المعولم، لذلك بات الجميع يتحدث عن الإصلاح تحت هذا التأثير المتزايد يوماً بعد آخر، لذلك نأمل أن تبادر الدول الإسلامية لتبني خيار الإصلاح من الداخل قبل أن يفرض عليها ذلك من الخارج وبشروط وأهداف خفية، ولات حين مندم!

11/3/1426
اضف هذا الموضوع الى: