جريدة إيلاف الإلمكترونية تحاور سماحة الشيخ اليوسف حول صراع علماء الدين والمثقفين
محرر الموقع - « حوار الأستاذ / علي آل غراش » - 12 / 11 / 2010م - 7:57 م

نشرت جريدة إيلاف الإلكترونية حواراً مع سماحة الشيخ عبدالله اليوسف (حفظه الله) وبمشاركة آخرين، في حلقتين، الحلقة الأولى نشر في العدد 1524 ليوم الأحد 17 جمادى الآخرة 1426هـ الموافق 24 يوليو 2005م ، والحلقة الثانية نشر في العدد 1525 ليوم الإثنين 18 جمادى الآخرة1426 هـ الموافق 25 يوليو 2005م ، وإليكم النص الكامل لأجوبة سماحة الشيخ اليوسف على أسئلة إيلاف:

هل هذا العصر عصر علماء الدين؟


من الواضح لكل متابع للأحداث في العالمين العربي والإسلامي يجد أنه ومنذ حقبة الثمانينيات من القرن المنصرم أصبح لعلماء الدين دوراً متزايداً في الشأن العام، ونفوذا متعاظماً، وقد كان هذا نتيجة طبيعية لإقبال المسلمين على الفكر الإسلامي، ولفشل الإيديولوجيات والمنظومات الفكرية الأخرى في تحقيق الشعارات التي رفعتها، فيما كان علماء الدين يرفعون شعار ( الإسلام هو الحل ) فقد استطاعوا أن يستقطبوا شرائح كبيرة إلى دائرة الفكر الإسلامي، لكن من الصعب القول أن هذا العصر هو عصر علماء الدين بصورة مطلقة، صحيح أنهم حققوا مكاسب كبيرة في بعض المجتمعات الإسلامية، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يحققوا كل أهدافهم وأمانيهم.
هل علماء الدين استغلوا من أطراف أ خرى لتحقيق مآرب ما؟
عندما نتحدث عن علماء الدين فنحن نتحدث عن شريحة كبيرة ومتنوعة في قناعاتها وأفكارها وتوجهاتها، قد يكون أن بعض علماء الدين استغلوا بعلم أو بدون علم لتحقيق مخططات لأطراف تضمر أهدافاً محددة، وقد يكون هو مجرد اتفاق في نفس الأهداف والتوجهات بين علماء الدين وأطراف أخرى. فمثلاً نجد في غير بلد عربي أن السلطة السياسية قد دعمت جماعات إسلامية في مواجهة التيار الشيوعي واليساري في حقبة الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وهو ناتج من الاتفاق في نفس الأهداف، لكن ماإن انتهى الخطر الشيوعي حتى بدأ الخلاف بين الطرفين، ونفس القصة تكررت في قصة محاربة الروس في أفغانستان.
هل يوجد صراع بين علماء الدين والمثقفين؟
بصورة عامة نعم؛ ولكن تختلف الأسباب ونسبة الصراع من مجتمع لآخر.
ما اسباب ذلك الصراع؟
الأسباب كثيرة ومتنوعة، لعل من أبرزها هو: الصورة النمطية الخاطئة التي ينظر بها كل طرف للآخر، مما أدى لاتساع الفجوة بين الطرفين. وأيضاً اختلاف الرؤية النابع من اختلاف البنية الفكرية والمعرفية لكل طرف، وغياب الحوار الجاد بين الطرفين،وشعور كل طرف أن نجاح الآخر هو فشل له!
هل عالم الدين يحاول تهميش دور المثقف والأكاديمي مستغلا سلطته الدينية واحترام المجتمع؟
لاأتصور ذلك، وإنما ابتعاد المثقف عن هموم الناس العاديين قد أدى لتراجع دور المثقف في المجتمع، في حين أن عالم الدين يعيش مع الناس، وبالقرب من همومهم وقضاياهم. ثم حتى لو أراد عالم الدين ذلك فلا يستطيع إذا أثبت المثقف قدرته وكفاءته، ومارس دوره التوعوي، وعاش مع الناس، ومن أجل خدمتهم.
الا يوجد بين علماء الدين متحررين وإصلاحيين يتفقون مع المثقفين؟
علماء الدين شريحة متنوعة في أفكارها وتفكيرها وقناعاتها وتوجهاتها، ومن ثم ستجد من يتفق منهم مع بعض الطروحات والأفكار التي يطرحها المثقفون، ولكن يبقى أن علماء الدين والمثقفين هم من أصحاب الرأي والفكر والنظر، وبالتالي فليس بالضرورة أن تكون هناك نسخة طبق الأصل حتى بين أصحاب الشريحة الواحدة فضلاً عن الاتفاق مع باقي الشرائح.
هل تتوقع بروز حالة من ردة الفعل للمجتمع ومن قبل المثقفين ضد علماءالدين؟
هذا يعتمد على طريقة تعامل علماء الدين مع الشرائح الاجتماعية المختلفة بما فيها شريحة المثقفين؛ فإذا حافظ العلماء على قربهم من الناس، وساهموا في خدمة المجتمع، وقاموا بدورهم الديني خير قيام، ولم يستغلوا محبة الناس للدين لتحقيق مصالح شخصية أو فئوية، فسيبقى علماء الدين محل احترام وتقدير غالبية الشرائح الاجتماعية؛ وأما إذا تحول العلماء إلى طبقة ارستقراطية، وتحاول فرض آرائها بالقوة أو الشدة فيخشى أن يكون مصير علماء الدين المسلمين كما حدث لعلماء الدين المسيحيين عندما ثارت الشعوب الغربية ضد رجال الكنيسة!
هل صحيح ان بعض المثقفين يتعاملون بنفس العقلية من خلال محاولة تهميش عالم الدين في المجتمع؟
نعم هذا صحيح، وأتصور أن خوف المثقف من عالم الدين أكبر من خوف عالم الدين من المثقف، لأن عالم الدين مكانته الاجتماعية لاتزال متينة وقوية، في حين أن المثقف –غالباً- يعيش مع النخبة في غربة بعيداً عن عامة الناس.
ما هي الآلية العملية لإيجاد أرضية سليمة لبناء علاقة صحيحة بين علماء الدين والمثقفين؟
أهم آلية هو الحوار المتواصل بين الطرفين كي يفهم كل طرف الآخر عن قرب. والآلية الأخرى أن تكون هناك بعض الأعمال المشتركة في الجانب الثقافي والفكري. والآلية الثالثة هو أن يقوم كل طرف بما يمليه عليه واجبه ومسؤوليته، وأظن أن المثقفين والعلماء يجب أن يكون دورهما مكملاً لبعضهما البعض، وليس متناقضاً. ويكون هذا سهلاً عندما تكون المنطلقات الفكرية تعود لمرجعية معرفية واحدة.

هل أخطأ علماء الدين بالتدخل في جميع شؤون المجتمع؟


أتفق معك في أن التدخل في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل أبعاد المجتمع مضر بعلماء الدين وبسمعتهم.
لقد شهد عصرنا الحديث توسع للعلوم والمعارف والتخصصات ولكن عالم الدين لا زال يرى نفسه ابا لها؟
هذا الادعاء بحاجة إلى إثبات، ثم إن التعميم خطأ منطقي، وإذا كان هناك من يدعي ذلك فهذا لايعني أن كل علماء الدين يدعون ذلك.ولا يمكن لعاقل فضلاً عن عالم أن يضع نفسه في هذا الموقع.
ألا ترى أن انشغال بعض علماء الدين بالسياسة فيه تفريط وخطأ؟
عالم الدين مثله في ذلك مثل أصحاب التخصصات الأخرى، فكما يحق للعالم في الهندسة أو الطب أو الفيزياء أو غيرها من التخصصات، الانشغال بالسياسة كذلك يحق لعالم الدين ذلك، ثم أن السياسة من الشؤون العامة التي تهم الجميع، والقرارات السياسية تؤثر في الجميع أيضاً؛ لكن ينبغي لعالم الدين أن لاينخرط في السياسة لدرجة تبعده عن تخصصه الأصلي أو تؤثر على مسيرته العلمية. أضف لذلك أن الانشغال بالسياسة يتطلب معرفة سياسية، ومؤهلات معينة، ومن يفتقد ذلك فالأفضل له أن لايتبوأ مناصب سياسية سواء كان عالم دين أم عالم دنيا.
هل عالم الدين ضحية سلوكيات سلبية متراكمة في ابناء المجتمع في التعامل مع علماءالدين؟
هذا صحيح لدرجة كبيرة؛ إذ نرى أن بعض الناس يلقون باللآئمة في كل شيء على علماء الدين وكأن لديهم عصا سحرية لحل كل شيء!
عدم تقبل عالم الدين للنقد الهادف ساهم في وجود الفجوة وتراكم الاخطاء الدينية لماذا لا يتم دعم هؤلاء ومساندتهم في ظل الضغط من التيارات الدينية المتشددة؟
النقد الهادف ضرورة للتطوير والتقدم، واكتشاف الأخطاء والثغرات، وبدون النقد العلمي لايمكن التقدم خطوة واحدة نحو اكتشاف آفاق جديدة، لكن من ناحية أخرى ينبغي أن يكون النقد مصحوباً بأخلاقيات النقد حتى يمكن قبوله. وأظن أن المؤسسة الدينية بحاجة لحركة نقدية من داخلها قبل أن يكون من خارجها، فهذا مفيد لتجديد الروح لهذه المؤسسة المهمة، واكتشاف الثغرات ونقاط الضعف فيها، وتقوية نقاط القوة بهدف القدرة على مواكبة التحديات الجديدة.
الا ترى ان سلطة علماء الدين ضعفت؟
بصورة عامة نعم، لكن عندما نريد التفصيل نرى في بعض المجتمعات قويت، وفي مجتمعات أخرى ضعفت، ويعود ذلك لاختلاف الظروف الموضوعية من مجتمع لآخر.
ما اسباب ذلك الضعف؟
لعل من أبرز الأسباب هو: ضعف الخطاب الموجه للجيل الجديد، وبروز خلافات وصراعات بين علماء الدين أنفسهم، وضعف التفاعل مع قضايا العصر، وتشويه سمعة علماء الدين من بعض وسائل الإعلام، وبروز طبقة من العلماء متشددة في فكرها وخطابها، وضعف حركة التجديد في الخطاب الإسلامي رغم التطور الذي شهده خلال العقود الثلاثة الأخيرة؛ إلا أ،نه لايزال بحاجة للمزيد من التطوير والتجديد في المحتوى والأسلوب.
هل هناك محاولات لتجريد عالم الدين من هيبته ومكانته؟
توجد بعض الجهات والأطراف التي تسعى من أجل تجريد عالم الدين من مكانته، ولكن الأسباب مختلفة من مجتمع لآخر، وأتصور أن بعض أخطاء علماء الدين قد تساعد هؤلاء على تنفيذ مايصبون إليه، لذلك من المهم للغاية أن يسعى علماء الدين لإجراء مراجعات دورية حول عملهم وتجربتهم. ومحاسبة النفس هي من أبجديات التعليم الديني.
ماافضل السبل للمحافظة على المكاسب التي حققها علماء الدين؟
يمكن تلخيص أفضل السبل للحفاظ على المكاسب في النقاط التالية:
1- التجديد في الخطاب الإسلامي بما يتناسب ولغة العصر، وبما يتلاءم مع تطورات ومتغيرات الزمن.
2- الاقتراب من هموم الناس أكثر وأكثر، وعدم التعالي على عامة الناس.
3-عدم التدخل في تفاصيل الشؤون العامة للناس، والاحتفاظ بدور الموجه والناصح والمرشد للناس.
4- الابتعاد عن لغة التشدد والتعصب، والتحلي بقيم التسامح والحوار والانفتاح على الرأي الآخر.
5- تقديم مصلحة الأمة على المصالح الشخصية أو الفئوية أو المناطقية.

18/6/1426
اضف هذا الموضوع الى: